تحقيق / الحسن اليزيدي - مشاريع - خاص
الطحين المركب في مواجهة الدقيق الأبيض: بين المخاطر الصحية ورهانات الاكتفاء الذاتي من الحبوب
الطحين المركب في مواجهة الدقيق الأبيض: بين المخاطر الصحية ورهانات الاكتفاء الذاتي من الحبوب
في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف الصحية من الأنماط الغذائية الحديثة، يظل الدقيق الأبيض أحد أكثر المكونات الغذائية إثارة للجدل، ليس فقط بسبب انتشاره الواسع في الاستهلاك اليومي، بل أيضًا لما يرتبط به من آثار صحية متراكمة على المدى الطويل.
فعملية تكرير القمح تفقده معظم عناصره الغذائية الأساسية من ألياف وفيتامينات ومعادن، ليبقى منتجًا عالي النشويات سريع الامتصاص، يرتبط بشكل مباشر باضطراب مستويات السكر في الدم، وارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري والسمنة واضطرابات التمثيل الغذائي.
ومع هذا الواقع الغذائي المعقد، تتجه الأنظار نحو بدائل أكثر توازنًا، في مقدمتها “الطحين المركب”، الذي يُطرح اليوم كخيار استراتيجي لا يقتصر على البعد الصحي فقط، بل يمتد ليشمل الاقتصاد والزراعة والأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، يوضح عامر حسين عامر مدير إدارة الجودة في مؤسسة قنوان أن الطحين المركب يمثل “خطوة استراتيجية نحو تعزيز الأمن الغذائي والاعتماد على الموارد المحلية”، مشيرًا إلى أنه عبارة عن مزيج من الحبوب يتم طحنها وخلطها بنسب مدروسة علميًا، بما يوفر بديلًا متكاملًا للدقيق الأبيض دون التأثير على جودة المخبوزات.
ويضيف أن المؤسسة عملت على تطوير 11 تركيبة مختلفة من الطحين المركب، صُممت لتلبي احتياجات المستهلكين كافة. بعضها يحتوي على نسب محدودة جدًا من الدقيق الأبيض لتسهيل التدرج في التغيير، فيما تعتمد تركيبات أخرى بشكل كامل على الحبوب المحلية مثل الذرة والقمح والبقوليات، ما يجعلها أكثر غنى بالعناصر الغذائية. كما تم تخصيص تركيبة صحية خالية من القمح والجلوتين، لتناسب الفئات التي تعاني من حساسية غذائية.
يتابع، وبالإضافة إلى أهمية الطحين المركب عند الجانب الصحي، تمتد لتشمل الاقتصاد الوطني، حيث يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد القمح، وهو ما يعني خفض فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الصعبة. ومع تزايد الأزمات العالمية وتقلبات الأسواق، يصبح هذا التوجه خيارًا استراتيجيًا لتعزيز الاستقلال الغذائي.
ويؤكد المهندس عامر أن المشروع يفتح الباب أمام إحداث تحول في نمط الإنتاج، من خلال تشجيع المزارعين على تنويع المحاصيل واستغلال الأراضي الزراعية، خاصة في زراعة الحبوب المحلية. كما يعزز مفهوم “الزراعة التعاقدية”، التي تضمن تسويق المحاصيل وتوفر دخلًا مستقرًا للمزارعين، ما يسهم في تنمية الريف والحد من الهجرة إلى المدن.

ومن الناحية الغذائية، يوفر الطحين المركب قيمة أعلى بفضل احتوائه على الألياف والبروتينات والمعادن، وهو ما ينعكس إيجابًا على صحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر في الدم. ويرى مختصون أن التحول التدريجي نحو هذا النوع من الطحين قد يسهم في تقليل انتشار الأمراض المرتبطة بالتغذية.
البعد الاقتصادي…
الاستيراد تحت الضغط
على الجانب الاقتصادي، تقدم المختصة الاقتصادية ومسؤولة الدراسات الاقتصادية الاستثمارية في الهيئة العامة للاستثمار ابتسام المحمدي قراءة أكثر عمقًا لمشكلة الاعتماد على استيراد القمح والدقيق الأبيض، معتبرة أنه أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات الناشئة، لما يسببه من استنزاف مباشر للعملة الصعبة، وارتهان لتقلبات الأسواق العالمية، إضافة إلى إضعاف الإنتاج المحلي وإهمال القطاع الزراعي.
وتشير المحمدي إلى أن فاتورة استيراد القمح عامل ضغط مستمر على الاقتصاد الوطني، حيث تجعل الدولة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأمن الغذائي.
وفي المقابل، تؤكد أن التوجه نحو الطحين المركب يمكن أن يحدث فرقًا اقتصاديًا ملموسًا، من خلال ما يعرف بـ “الإحلال الجزئي للواردات”، بحيث يتم استبدال ما بين 20% إلى 40% من دقيق القمح المستورد بمكونات محلية مثل الذرة والرفيعة والدخن والبقوليات.
هذا التحول سيقلل من حجم الاستيراد، ويخفف الضغط على النقد الأجنبي ويعزز الاعتماد على الإنتاج المحلي.
توضح المختصة الاقتصادية أن هذا التوجه يحقق ما تسميه “تعظيم القيمة المضافة”، حيث لا يتم استيراد مادة غذائية جاهزة، بل يتم تشغيل المطاحن الوطنية وخطوط الإنتاج المحلية لمعالجة الحبوب المحلية وتحويلها إلى منتج غذائي نهائي، ما ينعكس إيجابًا على الصناعة التحويلية ويخلق دورة اقتصادية داخلية أكثر حيوية.
عوائد اقتصادية وزراعية ممتدة
تضيف المحمدي أن التوسع في زراعة محاصيل الطحين المركب يفتح الباب أمام سلسلة من العوائد الاقتصادية المتكاملة، من أبرزها تنشيط الاقتصاد الريفي عبر خلق فرص عمل جديدة، ودعم الصناعات الغذائية المحلية، وتقليل تكاليف الدعم الحكومي للغذاء، إضافة إلى تحقيق استدامة بيئية عبر تقليل استهلاك المياه مقارنة بالمحاصيل التقليدية المستوردة.
وزراعيًا، يشكل هذا التوجه فرصة لإعادة هيكلة القطاع الزراعي نحو تنوع أكبر في المحاصيل، من خلال تشجيع زراعة الذرة بأنواعها، والدخن، والرفيعة، والبقوليات، وهي محاصيل تمتاز بقدرتها على التكيف مع البيئة المحلية، وتوفير قيمة غذائية أعلى، خاصة من حيث الألياف والبروتين النباتي.
كما يسهم هذا التحول في تعزيز مفهوم الزراعة التعاقدية، الذي يربط المزارع مباشرة بالمصانع والمطاحن، ما يضمن له سوقًا مستقرة ويقلل من مخاطر الإنتاج، ويشجع في الوقت نفسه على استصلاح الأراضي الزراعية المهملة وزيادة الإنتاج المحلي.
البعد الصحي… غذاء يعيد التوازن.
من الناحية الغذائية، يوفر الطحين المركب بديلًا أكثر توازنًا مقارنة بالدقيق الأبيض، حيث يحتوي على نسب أعلى من الألياف الغذائية التي تساعد في تحسين عملية الهضم، وتنظيم مستوى السكر في الدم، وتقليل مخاطر الأمراض المرتبطة بالنمط الغذائي الحديث.
وتؤكد مسؤولة الدراسات الاقتصادية الاستثمارية في الهيئة العامة للاستثمار أن مشروع الدقيق المركب مشروع وطني متكامل يعيد رسم العلاقة بين الزراعة والصناعة والصحة والاقتصاد.
فهو من جهة يقلل الاعتماد على الاستيراد ويخفف فاتورة العملة الصعبة، ومن جهة أخرى يدعم المزارع المحلي ويعزز الأمن الغذائي، إضافة إلى كونه خيارًا صحيًا أكثر توازنًا.
دراسات علمية
تشير دراسات طبية وغذائية حديثة إلى أن استهلاك الدقيق الأبيض لا يمر دون تأثيرات واضحة على صحة الإنسان، خاصة فيما يتعلق بمستويات السكر في الدم، والوزن، واحتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة.
الدقيق الأبيض وسكر الدم
يوضح خبراء في علم التغذية أن الدقيق الأبيض يتميز بارتفاع ما يعرف بـ“المؤشر الجلايسيمي”، أي أنه من الأغذية التي تُهضم بسرعة داخل الجسم. وهذا يؤدي إلى تحول الكربوهيدرات إلى غلوكوز بشكل سريع، ما يسبب ارتفاعًا مفاجئًا في سكر الدم، يعقبه إفراز كبير لهرمون الأنسولين من البنكرياس.

وبحسب مصادر علمية مثل الجمعية الأمريكية للسكري وكتاب “غويتون وهول في الفسيولوجيا الطبية”، فإن هذا الارتفاع السريع قد يتبعه انخفاض مفاجئ في سكر الدم، وهي حالة تُعرف طبيًا باسم “هبوط السكر التفاعلي”، وغالبًا ما تؤدي إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول الطعام مرة أخرى.
العلاقة مع السكري من النوع الثاني
وتشير تقارير علمية منشورة من الجمعية الأمريكية للسكري وكلية الصحة العامة بجامعة هارفارد إلى أن الاستهلاك المزمن للأغذية ذات المؤشر الجلايسيمي المرتفع، مثل الدقيق الأبيض، قد يساهم في زيادة خطر الإصابة بـالسكري من النوع الثاني.
وتوضح هذه الدراسات أن تكرار ارتفاع مستوى الغلوكوز في الدم يؤدي مع مرور الوقت إلى إجهاد البنكرياس، مما قد يسبب ما يُعرف بـ“مقاومة الأنسولين”، وهي الحالة التي يفقد فيها الجسم قدرته على الاستجابة الطبيعية للأنسولين، وتُعد العامل الأساسي في تطور مرض السكري.
في جانب آخر، تؤكد مراجع في علم الغدد الصماء وكتب فسيولوجيا الجسم مثل “غويتون وهول”، إلى أن الدقيق الأبيض قد يسهم في زيادة الوزن والسمنة عبر عدة آليات بيولوجية.
فهو لا يحتوي على ألياف غذائية تساعد على الشعور بالشبع، كما يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن تخزين الطاقة في الجسم.
هذا الارتفاع يحفّز عملية تخزين الدهون ويقلل من قدرة الجسم على حرق الدهون، ما يؤدي إلى زيادة تراكمها مع الوقت.
وتؤكد الدراسات أن هذه التغيرات تؤدي أيضًا إلى تقلبات في مستوى السكر، مما يزيد الشهية ويؤدي إلى تناول كميات أكبر من الطعام.
فقدان القيمة الغذائية أثناء التصنيع
من الناحية الغذائية، يؤكد خبراء التغذية إلى أن عملية تكرير القمح وإنتاج الدقيق الأبيض تتضمن إزالة طبقتي النخالة والجنين، وهما الجزءان الأكثر احتواءً على العناصر الغذائية.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية ودراسات في جامعة هارفارد حول الحبوب الكاملة، فإن هذه العملية تؤدي إلى فقدان جزء كبير من الألياف الغذائية، مما يسرّع امتصاص السكر ويقلل من صحة الجهاز الهضمي.

كما يتم فقدان مجموعة من الفيتامينات المهمة مثل فيتامينات، إضافة إلى معادن أساسية مثل الحديد والمغنيسيوم، ما يجعل الدقيق الأبيض أقل قيمة غذائية مقارنة بالحبوب الكاملة.
تشير مجمل هذه المصادر الطبية والغذائية الصادرة من الولايات المتحدة، وخاصة من الجمعية الأمريكية للسكري، وجامعة هارفارد، ووزارة الزراعة الأمريكية، إلى أن الدقيق الأبيض يتميز بسرعة الامتصاص وضعف القيمة الغذائية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على توازن السكر في الدم، والوزن، والصحة العامة عند الإفراط في استهلاكه.
وفي الأخير نذهب نحو تساؤل عميق فما بين مخاطر الدقيق الأبيض وفوائد البدائل المحلية، يتجه النقاش نحو: هل يمكن أن يصبح الطحين المركب أساسًا لنظام غذائي جديد في بلادنا يعيد الاعتبار للأرض والإنتاج المحلي، ويقلل من تبعية الغذاء للأسواق الخارجية؟
.